صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
178
حركة الإصلاح الشيعي
الإمكان أن يستقيم . أما المدارس التي لم تكن موضع كرم واهب مجزل فلم يكن لها من مصدر للتمويل غير الخمس المستحق للعالم الذي يديرها ؛ إذ لم تلحق بها الأوقاف . وكانت هذه المدارس ، نظرا لهشاشة موقفها المالي الذي كان يزيد من صفتها الزائلة ، لا تؤسس إلا بفضل المبادرة لدى عدد قليل من رجال الدين وبفضل كفاءتهم وجهدهم ، فهم المؤسسون والمدبرون والقائمون بنشاطاتها معا . وكانت تندثر في أغلب الأحيان بوفاتهم . ونظرا إلى أن المؤسسة كانت لا ترتكز إلا إلى إرادة فرد واحد ، فإنها كانت تنهار بغيابه . وكان فشل التنظيم في العلوم الدينية يعجّل بذهاب الطلاب إلى العراق . ولقد غابت المدارس الدينية الرفيعة المستوى عن جبل عامل منذ قيام الحرب العالمية الأولى « 201 » . إلا أن ما يبقى في نظر العامليين ، هو أن عددا من رجال الدين ، بتأسيسهم المدارس التي أعدت جيلا جديدا من الأدباء والعلماء ، قد ساهموا في حركة النهضة العامة في الشرق : ففي مقالة طويلة نشرت في العرفان سنة 1926 حول هذا الموضوع ؛ تظهر أسماء عبد الله نعمة ومحمد علي عز الدين وموسى شرارة وحسن يوسف مكي باعتبارهم قد ساهموا في الحركة التي أطلقها جمال الدين الأفغاني وتابعها في بلاد الشام الكواكبي وطاهر الجزائري . ويضيف الكاتب قائلا : على أنه قبل إعلان الدستور ، لم تكن الساعة مواتية ، لأن دعاة الإصلاح كانوا يعملون وهم خائفون . ويقيم صاحب المجلة ، في المقالة نفسها ، الصلة بين شيعة لبنان وأصل هذه الحركة أي جمال الدين الأفغاني نفسه ؛ مفسرا أن أحد الشيعة ميرزا الباقر ، أبا صديقه محمد الباقر « 202 » ، كان قد رافق السيد في سفره إلى باريس « 203 » . وكان لموسى شرارة بين رجال الدين هؤلاء ممن سبقوا دعاة الإصلاح ، مكانة خاصة ؛ إذ أنه بذل جهده إلى ما هو أبعد من التعليم وحده وكان في الواقع ، أول بطل من دعاة الإصلاح الديني في جبل عامل . وكانت له نظرة شاملة حول ما ينبغي له أن يتغير أو أن يتحسّن ؛ لا في التعليم فحسب ، بل كذلك في ممارسة الشعائر وفي الحياة الدينية على وجه العموم « 205 » . ونظرا إلى انطباعه بطابع ما رآه وخبره في النجف طوال تسع سنوات ، فإنه قد بقي متعودا على شرب الشاي صباحا ومساء ، بالطريقة التي كانوا يصنعونه بها هناك ؛ فكان أول من أدخل السماور إلى جبل عامل « 206 » . وقد احتفظ بهذه العادة التي تعوّدوها في العراق ، الكثيرون من بعده فعمّت بسرعة الأوساط
--> ( 201 ) . خطط ص 186 . ( 202 ) . كان أحمد عارف الزين قد دافع عن محمد باقر على صفحات جريدة جبل عامل سنة 1912 ، وهو شيعي من بيروت كان ينشر فيها البلاغ . وقد سجنه الأتراك لذلك . ( 203 ) . العرفان ، المجلد 12 ص 241 - 248 ؛ 361 - 368 ؛ 481 - 487 . ( 204 ) . أنظر مثلا : العرفان ، مجلد 11 ، ص 45 ومجلد 12 ص 594 . ( 205 ) . يفرد له محسن الأمين بعض المقاطع في سيرته تحت عنوان : « الشيخ موسى شرارة وإصلاحاته » ص 58 - 71 . وسوف نعالج إصلاحاته لإقامة الشعائر في الفصل القادم . ( 206 ) . الأعيان ، مجلد 10 ، ص 172 .